-->
U3F1ZWV6ZTM0NTk2ODc0MjBfQWN0aXZhdGlvbjM5MTkzNDg4NjQ0
recent
أخبار ساخنة

الجهاد في بلاد جبالة

الشريف محمد ولد سيدي الحسن وتأسيس نواة الجهاد في بلاد جبالة :
ففي أعقاب الغزو الاسباني للسهول الهبطية (العرائش والقصر الكبير في يونيو 1911م) ومنطقة جبالة الغربية (تطوان في فبراير 1913م)، حاولت أقلية من الأعيان ممن باعوا ضمائرهم إجهاض حركة الجهاد، وعملت على زرع الشقاق داخل القبائل، وبت الفتن، ثم تحرشت بمجاهدي الرباطات لاستدراجهم إلى معارك هامشية والانصراف إلى الاقتتال فيما بينهم. إلا أن القادة الحقيقيين للرباطات الجهادية قاموا بتوظيف الغليان القروي ضد النخبة المتخاذلة. وقد جسد محمد ولد سيدي الحسن هذا التيار القروي المناهض للاحتلال الاسباني. ينتمي الشريف محمد ولد سيدي الحسن إلى شرفاء بني عروس، وكان مقره الأصلي مدشر تكزارت بقبيلة بني عروس بعمالة العرائش، وكانت هذه الشخصية تحظى بالنفود وسط القبائل الجبلية، وتمثل حركته رد الفعل الشعبي الذي تبلور مباشرة وبصورة تلقائية بعد احتلال تطوان سنة 1913م. لقد تمكن من قيادة القبائل الجبلية للجهاد ضد الإسبان، ولقيت حركته تأييدا واسعا، وفر كثير من أهل تطوان والتحقوا بصفوفه، كما استقطبت حركته طاقات بشرية أخرى توافدت من جهات بعيدة كغمارة و الريف ، بقيادة الشريف محمد أخمليش لتعزيز المقاومة التي كان يقودها الشريف محمد ولد سيدي الحسن. وقد تعرض الفقيه الرهوني في مخطوطه لهذه الحركة الجهادية ولخصها بقوله : " إن القبائل الجبلية قامت وقعدت لهذا الاحتلال، وعقدت الاجتماعات الكثيرة فقر رأيها على محاربة الدولة الحامية ونصبوا على أنفسهم أميرا وهو الشريف سيدي محمد بن الولي الصالح سيدي الحسن العلمي دفين مدشر تاكزارت العروسي، وأسسوا رباطا بمدشر دار بن قريش وآخر بمدشر زيان الودراسي وآخر بمدشر صدينة الحوز ونصبوا الحصار على تطوان ". ويعد ولد سيدي لحسن أول من تحمل مسؤولية الجهاد بهذه المنطقة، بعد فرض الحماية الاسبانية سنة 1912م، ذلك أنه على إثر احتلال مدينتي العرائش (8 يونيو 1911م) والقصر الكبير (10 يونيو 1911م) ومجموعة من الدوائر والمراكز القروية، بادر المجاهدون والعلماء إلى الطواف بالقبائل الجبلية لحثها على الجهاد لصد العدوان الاسباني. وقد أثمرت هذه التعبئة عن عقد مجموعة من الاجتماعات بين القبائل، أهما اجتماع 27 فبراير 1913م (أي حوالي أسبوع بعد احتلال تطوان)، بضريح مولاي عبد السلام بن مشيش بجبل العلم، اتفقت فيه القبائل الجبلية على إسناد أمر قيادة الجهاد إلى الشريف محمد ولد سيدي الحسن. مع ذلك، حاول بعض المتواطئين إحباط الحركة الجهادية القروية، فوجهوا للشريف محمد ولد سيدي الحسن رسائل يحثونه فيها على الاستسلام، منها الرسالة التالية المؤرخة في 17 يونيو 1913م، جاء فيها : "محبنا الشريف الأجل، المكرم النبيل الأنبل، الخير الأحظى الأفضل، سيدي محمد بن الحسن العلمي العروصي...أما بعد، فغير خاف عليك ما أبرزته الأقدار الإلهية، التي لا ينبغي للعبد الموفق إلا الإسلام لها، والرضوخ لعلاها، وذلك لما هو معاين من قوة الجيوش الصبنيولية، المعضدة والمقوية لجانب المخزن الشريف...مع أنك والحمد لله، من بيت النبوة وعلمت أن سيدنا الحسن ابن علي، رضي الله عنهما، كانت الخلافة بيده، وكان أولى بها من غيره، ولما بارزه سيدنا معاوية، رضي الله عنه، تنازل عنها، إصلاحا وحقنا لدماء المسلمين...وأنت أجل من اقتدى بصالح سلفه، وقدم مصالح المسلمين على مصالح نفسه...أما التمادي ما أنتم عليه من التعرض لإراقة الدماء، فإنما يجلب لكم ولأولادكم مالا تحمد عقباه..." غير أن الشريف محمد ولد سيدي الحسن كان يرد على مثل هذه الرسائل بحماس تتجلى فيه إرادة الاستمرار في المقاومة، من ذلك الرسالة الجوابية التي وجهها إلى أعيان تطوان يخبرهم فيها بوفائه للعهد في النضال المشترك ضد الإسبان. يقول فيها : "إخواننا أهل تطوان كافة، أصلحكم الله، وسلام عليكم ورحمة الله عن خير مولانا. وبعد، فالمقصود الأهم هو السؤال عنكم وعن سائر أحوالكم. وإن سألتم عنا، فنحن في غاية ما أمرنا به من المضاربة مع عدو الله وعدونا وعدوكم..." من جهة أخرى، حاولت إسبانيا بمختلف الوسائل، عن طريق الحاكم العام الجنرال "خوصيه مارينا" إحباط حركته، فوجهت له رسائل تهديدية، كان يرد عليها بحماس تتجلى فيها إرادة المقاومة. ومن بين هذه الرسائل، رسالة مؤرخة في 25 دجنبر 1913م، جاء فيها : "بلغنا مسطورك أولا وثانيا وقد أكدت علينا الآن في كتابك الثالث بأنك عازم على إطلاق القنابل والكور من المناطيد الطيارة في المداشر والقرى والأسواق وقد أخبرتنا بهذا شفقة على نساء المسلمين وصبيانهم وأول ابتداء ذلك عندك يوم الجمعة فأما ما كان من إطلاق القنابل والكور من المناطيد الطيارة فذلك لا يهمنا، وقد تحققنا قلة عقلكم وعدم سياستكم حين أصدرتم ذلك في كتابكم، لأن ذلك والعدم سواء، ولا يقتل منا رجل واحد حتى يقتل منكم عدد مثله مع زيادة فساد الكور، والرجل لا بد أن يقتل على دينه وماله وعرضه لأنكم عزمتم على تملك رقاب المسلمين وأعراضهم وخروجهم عن دينهم". لقيت حركة الشريف ولد سيدي الحسن الجهادية إقبالا عظيما ونجاحا باهرا في كل من أحواز تطوان وأصيلا وتابع هذا السلوك القيادي منذ 1913م إلى 1915م. وكانت الحركة الجهادية موحدة الكلمة على الصعيد الجبلي منذ أن عقد اجتماع بضريح المولى عبد السلام بن مشيش واتفقت القبائل على إنشاء رباط للجهاد بدار ابن قريش تحت قيادته في 27 فبراير 1913م، وبفضل هذا الالتحام انتصر المجاهدون على الإسبان في مختلف الجبهات ولم يتمكنوا من الابتعاد عن تطوان وأصيلا والعرئش إلا ببضع كيلومترات.

المصدر : مقتطف من بحث للاجازة حول  مقاومة قبائل جبالة للاحتلال الاسباني... للأخ :‎يوسف كمال‎ 
الاسمبريد إلكترونيرسالة