-->
U3F1ZWV6ZTM0NTk2ODc0MjBfQWN0aXZhdGlvbjM5MTkzNDg4NjQ0
recent
أخبار ساخنة

الدوار

الدوار عاد شبيه بصحراء قاحلة ،الحرارة اليوم فاقت الأربعون بقليل، لا طائر يطير ولا وحش يسير، العاشرة صباحا ولا أحد من أهل الدوار يمشي بين المسالك كما عهدناهم من قبل ،لم نرى اليوم عمي المفضل ذلك العجوز وأصدقائه الثلاثة يلعبون "الضامة" كعادتهم من تحت ظل شجرة البلوط القابعة في أطراف الدوار، ولا الأطفال يركضون من وراء تلك الكرة البلاستيكية المحشوة جوفها بقماش، في تلك المساحة الصغيرة بوسط الدوار التي وهبها لهم ولد" خديجة" لكي يمارسوا فيها هوايتهم، الدوار في هذه الأيام بدى خال من أهله، رغم أنها الفترة الأكثر حركة بعد عودة كل المهاجرين القرويين إلى قراهم عند نهاية الفترة الدراسية. .. الناس الفقراء هنا يعيشون حياتهم في رمضان في التفكير كيف يجلبون الى أطفالهم الطعام ومن أين سيأتون بالمال لإقتناء ملابس جديدة،كي يفرحون بها أطفالهم ،ونحن لا تفصلنا على العيد الا أيام قليلة ، عمي المفضل يقف كعمود كهربائي من خشب مائلا إلى جهة واحدة بفعل مخلفات الرياح؛ حائرا ومتحسرا على المال الذي ليس لديه القوة الكافيه لجلبهِ، يعمل في حقول الكيف طيلة النهار تحت أشعت الشمس الحارقة في عز النهار ، صائم لا مبال بالجوع والعطش ، عرقهُ يبلل جسمهُ كألأمطار الموسمية التي تتهاطل من السماء، يبذل جهداً كبيراً يريد ان يفرحُ اطفاله الثلاثة، بلباس جميلة ،فسكان الدوار وحدهم من بين سكان العالم لا ينعمون بالراحة ،منذ دخول هذه العشبة إلى بيوتهم. فقد سيطرت على عقولهم ،فهي أصعب من أن تعتني بطفل صغير منذ ولادته، تبدأ معانتهم في أواخر فصل الشتاء حيث يتم حرث الأرض أكثر من مرة للقضاء على النباتات السامة فهي لا تحبذ أن يشاركها أحد من النباتات حتى لا تغضب وتموت نبتة تتسم بالانانية المطلقة لا تمل من الأسمدة الغالية، ففي فصل الربيع تكبر قليلا ويكبر معها بعض النباتات التي أبت إلا أن تبقى حية رغم أن محراث الفلاح الخشبي رمى بجذورها فوق التربة عدة مرات وأشعت الشمس لم تكن كافية للقضاء عليها مما يتحتم على الأسرة بأكملها التعاون فيما بينها والخروج إلا الحقول لكي يقضوا على هذه النبتة السامة ،ففي الصباح الباكر القطط وحدها من تبقى حبيسة البيوت وخارجا كلاب ظالة ببنية جسمانية هشة ،الجوع كاد أن يودي بحياتها نظرا لسوء التغذية، فالكلاب هنا قد تبقى أسابيع دون طعام لأن معظم أهل الدوار لايهتمون حتى بأطفالهم فما بالك بالكلاب. .الشئ الوحيد الذي يعتنون به ويخافون عليه من أشعة الشمس كي لا تحرقه أو يموت عطشا هي نبتة الكيف، ينامون باكرا بعد عودتهم من عملهم منهمكين، فالقليل منهم من يذهب إلى ذلك المقهى الوحيد بالدوار المتلاشية جدرانه، يبحث عما يدخنه ويدردش قليلا مع أقرانه ،ويتقصى الأخبار حول ما وقع ويقع بالدوار ..جدتي تلك المرأة المسنة سنها فاق المائة ، تعيش وحيدة في ذلك الكوخ المجاور لمنزلنا ، منذ طفولتي وأنا لا يطيب لي النوم إلا بين أحضانها ،كطفلها المدلل ، أنام بغرفتها المظلمة، مازلت حتى الان ، وانا بهذا السن أنام بقربها كطفل يتيم الابوين، فقد أحببت السماع إلى قصصها كل ليلة، ليست قصص الحب بين الأمراء والأميرات، أو قيس وليلى،قصص النضال والمقاومة، عن أبطال زرواليين قدموا حياتهم فداءا من أجل وطنهم، عن أبطال صاحبوا البندقية والسلاح من أجل أن نعيش في سلام ! عن جنود أبطال في الصحراء عن الرسائل الصفراء التي كان يجلبها لها " المقدم" عندما يطول غياب جدي لشهور ،وحدها الرسائل الصفراء التي يستنشقن منها نساء الدوار عبير أزواجهم ، ويرون في طياتها تجاعيدَ رسمها الزمن والحروب على وجوههم ...

بقلم : سعيد أشنيخ

الاسمبريد إلكترونيرسالة